فخر الدين الرازي
178
تفسير الرازي
يقول لي : * ( قل هو الله أحد ) * فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل ، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل والسمع معاً ، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما ، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * . المسألة الثانية : اعلم أنهم أجمعوا على أنه لا بد في سورة : * ( قل يا أيها الكافرون ) * من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة : * ( تبت ) * وأما في هذه السورة فقد اختلفوا ، فالقراءة المشهورة : * ( قل هو الله أحد ) * وقرأ أبي وابن مسعود . بغير قل هكذا : * ( هو الله أحد ) * وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ، بدون قل هو هكذا : * ( الله أحد الله الصمد ) * فمن أثبت قل قال : السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره ، بل يحكي كل ما يقال له ، ومن حذفه قال : لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوماً للنبي عليه الصلاة والسلام . المسألة الثالثة : اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوهاً أحدها : أن هو كناية عن اسم الله ، فيكون قوله : الله مرتفعاً بأنه خبر مبتدأ ، ويجوز في قوله : * ( أحد ) * ما يجوز في قولك : زيد أخوك قائم الثاني : أن هو كناية عن الشأن ، وعلى هذا التقرير يكون الله مرتفعاً بالابتداء وأحد خبره ، والجملة تكون خبراً عن هو ، والتقدير الشأن والحديث : هو أن الله أحد ، ونظيره قوله : * ( فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ) * إلا أن هي جاءت على التأنيث ، لأن في التفسير : اسماً مؤنثاً ، وعلى هذا جاء : * ( فإنها لا تعمي الأبصار ) * أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة ، كقوله : * ( إنه من يأت ربه مجرماً ) * والثالث : قال الزجاج : تقدير هذه الآية أن هذا الذي سألتم عنه هو الله أحد . المسألة الرابعة : في أحد وجهان أحدهما : أنه بمعنى واحد ، قال الخليل : يجوز أن يقال : أحد اثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة ، والمكسورة كقولهم : وجوه وأجوه وسادة وأسادة والقول الثاني : أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال الإهري : لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال : رجل أحد ولا درهم أحدكما يقال : رجل واحد أي فرد به بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها شيء . ثم ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوهاً أحدها : أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه وثانيها : أنك إذا قلت : فلان لا يقاومه واحد ، جاز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان بخلاف الأحد ، فإنك لو قلت : فلان لا يقاومه أحد لا يجوز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان